بسم الله الرحمن الرحيم



حاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجتهم إلى ماسواه من ضرورات الحياة؛ لأن الإنسان لابد له من معرفة مواقع رضى الله سبحانه ومواقع سخطه، ولابد له من


حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن
للناس أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه.


إن التدين الحق -الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد، والتعبد له وفق ما شرع-



* عنصر ضروري للحياة ليحقق المرء من خلاله عبوديته لله رب العالمين، ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين، وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا.




* وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان، إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالاً ثراً، ومنهلاً لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها.



* وهو عنصر ضروري لتكتمل قوة الإرادة بما يمدها بأعظم البواعث والدوافع ويدرّعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأْس والقنوط.


وسعادة الإنسان التامة موقوفة على استكمال قوته العلمية والتى لاتستكمل إلا بمعرفة ما يلي:



1 - معرفة الإله الخالق الرازق الذي أوجد الإنسان من عدم وأسبغ عليه النعم.


2 - معرفة أسماء الله وصفاته، ومعرفته وما يجب له سبحانه، وأثر هذه الأسماء على عباده.


3 - معرفة الطريق التي توصل إليه سبحانه.


4 - معرفة المعوقات والآفات التي تحول بين الإنسان وبين معرفة هذا الطريق وما توصل إليه من النعيم العظيم.


5 - معرفة نفسك معرفة حقيقية، ومعرفة ما تحتاج إليه، وما يصلحها أو يفسدها، ومعرفة ما تشتمل عليه من المزايا والعيوب.


فبهذه المعارف الخمس يستكمل الإنسان قوته العلمية



بعد أن عرفنا أن الدين الصحيح هو المدد الإلهي لقوى النفس المختلفة،


فإن الدين – أيضاً - هو الدرع الواقي للمجتمع؛ ذلك لأن الحياة البشرية لا تقوم إلا بالتعاون بين أعضائها، ولا يتم هذا التعاون إلا بنظام ينظم علاقاتهم، ويحدد


واجباتهم، ويكفل حقوقهم، وهذا النظام لا غنى له عن سلطان نازع وازع يردع النفس عن انتهاكه، ويرغبها في المحافظة عليه، ويكفل مهابته في النفوس ويمنع


انتهاك حرماته. فما هو هذا السلطان؟
فأقول: ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام النظام، وضمان تماسك المجتمع واستقرار


نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.


والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمع ولا بصر، وإنما هو عقيدة إيمانية


تهذب الروح وتزكي الجوارح


من أجل ذلك كان الدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العدالة والإنصاف، وكان لذلك ضرورة اجتماعية، فلا غرو إن حَلَّ الدين من الأمة محل القلب من الجسد


وإذا كان الدين عموماً بهذه المنزلة، فالمشاهد اليوم تعدد الأديان والملل في هذا العالم، وتجد كل قوم بما لديهم من الدين فرحون مستمسكون به،


فما الدين الصحيح الذي يحقق للنفس البشرية ما تصبو إليه؟ وما ضوابط الدين الحق؟


{أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (83) سورة آل عمران