من أعظم نعم الله على عباده وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبين لهم الصراط المستقيم ،
ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالاً منها ،
[glow1=CC6600]فمن قَبِل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية ، وأسوأ حالاً من الكلب والحيوان والبهيم [/glow1]
فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا ، يتلو علينا آيات الله ويزكينا ، ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفى ضلال مبين ، وقال أهل الجنة
{ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (43) سورة الأعراف
والدنيا كلها ملعونة ملعون مافيها إلا ماأشرقت عليه شمس الرسالة وأُسَّسَ بنيانه عليها ، ولابقاء لأهل الأرض إلا مادامت آثار الرسل موجودة فيهم ، فإذا دَرَسَتْ آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خَّرب الله العالم العلوى والسفلي أقام القيامة

وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر ، ولاكحاجة الانسان إلى حياته ، ولاكحاجة العين إلى ضوئها ، والجسم إلى الطعام والشراب ،بل أعظم من ذلك ، وأشد حاجة من كل مايُقَدَّر يخطر بالبال
[glint][glow1=3333FF]فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه ، وهم السفراء بينه وبين عباده [/glow1][/glint]

وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه : محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول :
[ ياأيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ]

أخرجه الحاكم في المستدرك
وقال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء
وقال صلوات الله وسلامه عليه كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار :
[ إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم : عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ]
وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل ، فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعثه رحمة للعالمين ، ومَحَجَّة للسالكين ، وحُجَّة على الخلائق أجمعين ، وافترض على العباد طاعته ومحبته ، وتعزيره وتوقيره ، والقيام بأداء حقوقه ، وسد إليه جميع الطرق ، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه ، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين
فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الكفر من الإيمان ، الربح من الخسران والهدى من الضلال ، والنجاة من الوبال ، والغي من الرشاد ، والزيغ من السداد ، وأهل الجنة من أهل النار ، والمتقون من الفجار ، وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين الصديقين والشهداء الصالحين من سبيل المغضوب عليهم الضالين
فالنفوس أحوج إلى معرفة ماجاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب ، فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا ، والعذاب في الآخرة

فحَقَّ على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ماجاء به وطاعته ، إذ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم ، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل ، إذ لايكفى من ذلك مجرد العقل ، بل كما أن نور العين لايرى إلا مع ظهور نور قُدَّامه فكذلك نور العقل لايهتدي إلا اذا طلعت عليه شمس الرسالة ، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام ، وكان معرفة ماأمر الله به رسوله واجباً على جميع الأنام

والله سبحانه بعث محمداً بالكتاب والسنة ، وبهما أتم على أمته المنة ، أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة وبشيراً ونذيرا ً ، وداعيا ً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ً ، ، فختم به الرسالة ، وهدى به من الضلالة ، وفتح برسالته أعيناً عميا ً ، وآذاناً صُمَّا ، وقلوباً غُلفا ً ، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماته ، وتألَّفَتْ بها القلوب بعد شتاتها فأقام بها الملة العوجاء ، وأوضح بها المحجة البيضاء ، وشرح له صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع ذكره ، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره ، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب ، حين حُرَّف الكلم وبدلت الشرائع ، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم ، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم ، فهدى اللهب الخلائق ، وأوضح به الطريق ، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وأبصر به من العَمَي ، وأرشد به من الغى ، وجعله قسيم الجنة والنار ، وفَرْق مابين الأبراء والفجار ، وجعل الهُدَى والفلاح في اتباعه وموافقته ، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته
وامتحن به الخلائق في قبورهم ، فهو في القبور عنه مسؤولون وبه ممتحنون
[glow1=3333FF]وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثين موضعا ً من القرآن ، وقرن طاعته بطاعته ، وقرن بين مخالفته ومخالفته ، كما قرن بين اسمه واسمه ، فلايذكر الله إلا ذكر معه[/glow1]

والرسول أعلم الخلق بالحق ، وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق للخلق
، وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان أى أحد

ومحمد صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق ، وهو أفصح الخلق لساناً وأصحُّهم بياناً ، وهو أحرص الخلق على هدى العباد كما قال تعالى
{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة
وقال أيضا ً سبحانه :
{إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} (37) سورة النحل
والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه صلوات الله وسلامه عليه : " فالقرآن " هو الذي بلغه ، " السنة " هو الذى علمها ، و " الإجماع " بقوله عُرِفَ أنه معصوم

ولذلك كل من مُدح من الأمة أولهم ولآخرهم على شىء أثابه الله عليه ورفه قدره – فهو مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم : فالثواب على ماجاء به الرسول ، والنصرة لمن نصره ، والسعادة لمن اتبعه ، وصلوات الله وملائكته على المؤمنين به والمعلمين للناس دينه ، والحق يدور معه حيثما دار ، وأعلم الخلق بالحق وأتبعهم له أعملهم بسنته وأتبعهم لها ، وكل قول خالف قوله فهو إما دين منسوخ وإما دين مُبَدَّل لم يشرع قط

ولذلك نقول لكم أيها الناس كما قال الله تعالى
{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة
ونحذركم كما حذركم ربنا وربكم
{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النــور