حقيقة الجاهلية:

الدارس لعقائد الجاهلية العربية يجد ـ من أول وهلة ـ أنها لم تكن تنكر وجود الله أبداً، بل كانت توحده في معظم أفعاله تعالى كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة.. والشواهد على ذلك كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ }
(25) سورة لقمان
ومنهم من كان يقر بمشيئة الله النافذة في الكون وقدره الذي لا يرد
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } (148) سورة الأنعام
، وأنه يدبر الأمر {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} (31) سورة يونس
وكانوا يؤمنون بالملائكة
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ } (21) سورة الفرقان
، وكان منهم من يؤمن بالبعث والحساب كقول زهير:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم
وكذلك كان لبعض الجاهليين العرب بعض الشعائر التعبدية منها تعظيم البيت الحرام، والطواف حوله، والوقوف بعرفات، وتعظيم الأشهر الحرم. وكذلك ذبحهم ونذرهم لله كما في قصة نذر عبد الملطلب، وإهدائهم للبيت الحرام وتخصيص شيئ من الحرث والأنعام لله {وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (136) سورة الأنعام
ومن الناحية التشريعية كانت الجاهلية العربية تقيم بعض الحدود كحد السرقة، فقد ذكر الكلبّي والقرطبيّ في تفسيره أن قريشاً كانت تقطع يد السارق.. هذا كله غير المزايا الخُلقية التي كان عليها هذا المجتمع..

ولكن وهذا هو المهم بماذا حكم الله على المجتمع، وكم حسبت هذه الأمور كلها في ميزان الإسلام؟

إن الله تعالى حكم على هذه البيئة بأنها كفر وجاهلية وعد تلك الأمور جميعهاً صفراً في ميزان الإسلام.
ولم يشفع للجاهلية العربية شعرها الرائق أو أدبها الفذ، أو ما ذكرنا من حال أهلها في عقائدهم وشعائرهم وشرائعهم.. لم يشفع لها كل ذلك أن توصف بأنها جاهلية،
ذلك أن حقيقة الجاهلية:
هي رفض الاهتداء بهدى الله، ورفض الحكم بما أنزل الله.
فالجاهلية انحراف عن المنهج الإلهي في الحياة، واستنباط النظم والشرائع والقوانين من مصدر غير المصدر الإلهي، فهي جهل بالله، وابتعاد عن هداه، وتحكيم لغير شريعة الله.
هذه هي حقيقة الجاهلية الخبيثة ـ قديماً وحديثاً ـ هي الهوى ما دام أنها ليست شريعة الله، وهي الضلال ما دام أنها ليست هي الحق..
فماذا بعد الحق إلا الضلال؟