مقالات


إن سيادة الشعب بنيت على الإطلاق، وكل ما يصدر عن صاحب القرار السيد حق، فالمشركون لا يشترطون موافقة شرع الله في سيادة الشعب حتى يمنحها المصداقية، بل أطلقوها حتى صار شرع الله عندهم غير شرعي ولا مصداقية له، وأحيانا يريدون أن يمنحوه المصداقية عبر استفتاء الشعب، فلا شرعية لشرع الله ولا احتكام إليه إلا بمصادقة الشعب والنواب والرئيس ووضعوا العصمة بيد الشعب أو نوابه، فالأمة حكمها مقدس ولا تُحاسب ولا تُسأل عما تفعل وتقرر، بينما الله وحده الذي ]لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[ ]الأنبياء:


فهذه الدعوات تجعل الوحدة أو الجهاد أو الحكم بما أنزل الله أو السنة أو الأخلاق أصلا، حيث تكون دعوة التوحيد على غموضها تابعة لذلك الأصل، فتُترك إن كانت تقتضي تأجيل ذلك الأصل، هذا إن اقتنعت بوجوب الدعوة إلى التوحيد أو شيء منه ثم إنهم إذ ينتقلون من الفرع إلى الأصل كالسنة أو الجهاد يوالون ويبرأون وفقهما، فيهجرون المبتدع كأنهم في زمن كزمن الحسن البصري وسفيان الثوري، مع أن الناس يجهلون أصل الدين، ويعتبرون من يحارب شرع الله مرتدا، مع أنه لم يعرف الإسلام ولم يدخل فيه، كأنهم في زمن كزمن أبي بكر


أما تفريق علماء السلف بين دار الإسلام ودار الكفر فكان حسب نظام الحكم السائد فيها، وإلا فإن دار الإسلام قد يكون في بعض مناطقها أهل الذمة أكثر من المسلمين، لا سيما حديثة العهد بالإسلام، وقد يكثر المسلمون في بلد تغلب عليه الكفار وهو دار كفر، فالمعتبر هو الحكم السائد إن كان لله أو للطاغوت، وهو المتعارف عليه بين الدول أيضا، فالبلاد الإشتراكية أو الديمقراطية أو غيرها تسمى كذلك للنظام الحاكم فيها، وإن كانت أغلبية الشعب لا تعتنقها، فإسلام الأفراد والجماعات أو كفرهم لا علاقة له بحكم الدار والدولة


يقولون بأن الإسلام يعترف بالأديان السماوية، ويحترم جميع الأنبياء، لكن إن كان الإعتراف إقرارا بوجودها فهذا لا معنى له، وهو يقر بوجود كل الأديان الجاهلية، وإن كان الإعتراف إقرارا لأتباعها على اعتناق ما شاؤوا دون إكراه، فهو يقر هذا لكل الكفار أيضا، والإسلام لا يقر حق الأديان في الوجود، فالباطل لا حق له، ولكن يقر أتباعها عليها إن رفضوا اتباعه، ولا يجبرهم على تركها، وإن كان الإعتراف اعترافا بصحتها فهو كفر منهم بالله وهذا ما يحاولون أن يفرضوه، فيقولـون: لا خصومة بين الأديان، والواجب هو الإيمان


إن ما يكفل الحق والعدل والحرية للفرد والمجتمع هو كون الشرع من خارج إطار الفرد والمجتمع وغير منحاز، أما أن يشرع الفرد أو نسبة معينة من المجتمع فلابد أن يكون هناك ظلم وتعسف في حق أختها بل ضرتها وما دام ليس هناك شرع يسمح بمخالفته والتحرر منه حتى الديمقراطية، وما دام أي منهجين يشرّعان للحياة العامة يتصادمان من أجل التفرد بقيادة البشرية فليكن دين الله، لأن مصدره ليس فئة تشرع لصالحها ما تأكل به حق الفئات الأخرى، وإن لم يؤمن الجميع بأنه دين الله، فعلى الذين يؤمنون بذلك ألا يتخلوا عن العمل


إن الجماعة التي يفرقها التوحيد ويجمعها الكفر مآلها جهنم، وهل أمِرنا أن نعتصم بحبل الشيطان ما دمنا لم نتفق على الإعتصام بحبل الله؟! والجماعة التي نهانا نبينا عن تفريقها هي كما يقول عبد الله بن مسعود ndash رضي الله عنه : (إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، هكذا فهمها سلفنا الصالح، وقد كانوا في أمة مسلمة، فما بالك بهذا الزمان الذي أظهر أهله من الكفر ألوانا لا تحصى؟! هم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا بمذاهبهم الكفرية، ونحن رددناهم إلى الأمر


إن الصحابة لم ينشغلوا بنزاعات القبائل العربية التي أضعفتهم أمام الأمم، ولم يهتموا بغلبة فارس والروم للعرب، وتبعيتهم لهم في النقد والصناعة والقوة العسكرية وغير ذلك، كما يفعل البعض اليوم، لأنها نتيجة ولها مقدماتها، وهم لم يستبقوا الأحداث، فلا تصح نتيجة بمقدمات خاطئة، ولولا ذلك لعلّم الله العرب علوما يتحضرون بها ويتفوقون بها على الأمم، فحتى وإن كان صراع الكفار معنا من أجل الدنيا، فنحن نواجههم في سبيل الدين، لأن الدنيا وسيلة والدين غاية بل اشتغلوا بدعوة التوحيد التي دفعتهم إلى التحرر من سيطرة


عقائد غريبة يؤمن بها علماء هذا الزمان، ويدعون الناس إليها على أنها من دين الله، وإلا كيف يعتقدون بأن التوحيد يزيد و ينقص؟! قال عبد المالك رمضاني في مجلة "منابر الهدى" (العدد: 3): (ومهما بلغت الأمة من الوعي فيه "أي التوحيد" والإستجابة له مبلغ الكمال فإن النقصان وارد على البشر جدا، وشر النقصان نقصان الإخلاص واضمحلال التوحيد، ولذلك لم يسكت النبي ndash صلى الله عليه وسلم ndash عن التنديد بالشرك حتى في أخريات أيامه، وقد بلغت الأمة آنذاك أوج قوتها في توحيد ربها ووحدة صفها) إنه تمييع للدين،


إن من طبيعة الجاهلية الفتنة عن دين الله، ولا تنتفي هذه الفتنة إلا بتحرير أرض الله من قبضة الجاهلية، وهذا يدل أيضا على أن الدين الذي تسامحت معه العلمانية الغربية ورضيته في بلادها وفي هذه البلاد ليس إسلاما، وأهله ليسوا مسلمين، وبغض النظر عن الإسلام أو غيره فإن كل مذهبين سيصطدمان بالضرورة حتى يهلك الأعجل، لأن من طبيعة أي نظام للحياة السعي للإستحواذ على علاقات الناس، وطرد مخالفه من الساحة، ولهذا فإن أي محاولة لفرض التعايش بين الإسلام والعلمانية مآلها الفشل إلا إذا تخلى أحدهما عن أصله


إن استغلال جو الإنفتاح الذي تصنعه الديمقراطية للدعوة إلى الله لا يعني الدعوة إلى الديمقراطية، وتبنيها والدفاع عنها ونصرتها، لأنها تبيح الكفر وتلزم به وتؤدي إليه، كما تبيح شيئا من دين الله دون إخلاص الدين لله، كقول الأولين: هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، وهذا يرفضه الإسلام