السبيل إلى معرفة أهل الحق





السبيل إلى معرفة أهل الحق

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ... أما بعد

من سنة الله أن يقع الإختلاف بين أتباع الرسول الواحد بعد مماته، بما في طبيعة الإنسان من "الجهل" و" البغي" ما يحول بينه وبين الإنصاف والإذعان للحقّ.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾- البقرة.

وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾-البقرة .

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾- الأحزاب.

والإختلافات الكثيرة والأهواء المتعارضة والأحزاب المتعادية لا تزول من حياة البشر نهائياً وإن كانت في بعض الأوقات والأزمان أكثر وأشدّ. لأن ذلك الإنسان الموصوف بالظلم والجهل ستكون حياته ممتدة إلى قيام الساعة دون أن تتغيّر طبيعته تلك. قال الله تعالى ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.

ولا شك أنه قد يتحرّر ويتوب من الظلم والجهل وذلك لمن وفقه الله للإيمان الحق والإستقامة على الصراط المستقيم, ولكن ذلك ليس مقدراً لجميع الخلق قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾-التغابن.

وقال ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾-هود.

ومن تأييد الله ولطفه ورحمته لعباده المؤمنين أنه يهديهم ويوفقهم للحق الذي أختلف فيه، وهذه من أجلﱠ النعم وأفضل الكرامات التى لا تفارق أهل الإيمان الحق ماداموا بحبل الله مستمسكين.

يقول تبارك وتعالى ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾- البقرة.

وقال تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾الأنفال.

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾-الحديد.

إنّ سبيل الله مستقيم وليس ثمّ سبيل غيره يؤدي إلى الله وجنته، وإن سبل الشيطان كثيرة متنوّعة على جانبي سبيل الله المستقيم وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إلى سلوكه.

وإنه لا ينجو من هذه الدعوات المضلة إلا من استنار بنور الإيمان واتعظ بمواعظ القرآن، والمعصوم من عصم الله.

وإنه كثيرا ما ترى من يحتار في أمر الدعوات المختلفة ويقول : إختلف العلماء فكيف السبيل إلى معرفة أهل الحق ؟؟ إنّ هذا التساؤلَ ينم عن قلة العلم وضُعف البصيرة, وقد أجاب عنه أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه الذي ابتلي بكثرة الإختلافات الواقعة في أيامه, لما قيل له أتظنّ ان فلاناً وفلاناً علي باطل. فقال : " إن الأمر ملتبس عليك , إن الحق لا يعرف بالرجال, وإنما يعرف الرجال بالحق, إعرف الحق تعرف أهله) وإنها لحكمة بليغة تفيدك في إدراك طريقة الإسلام التي يزن بها الأشخاص والأحداث "

فالذي يريد ان يكون من المسلمين ويتبرأ من المشركين لا يصل إلى مراده إذا صدق دعاوى الناس لأن غالبية المشركين يزعمون انهم مؤمنون بالله ولكنه يصل الى مراده عندما يتعلم معنى الإسلام وحقيقته ومعنى الشرك وحقيقته , أي انه عندما يعرف الحق يعرف اهله وعندما يعرف الباطل يعرف اهله.

وكذلك لا يستطيع أن يميّز المؤمن من المنافق مالم يدرك معنى الإيمان وحقيقته ومعنى النفاق وحقيقته لأن الناس إنما يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالناس.فاذا عرف الإنسان حدود الله وفهم المراد من الإصطلاحات الواردة في كتابه الكريم مثل الإسلام والإيمان والإحسان والعبادة والدّين والتقوى والصلاح, والولاء والبراء, ومثل الجاهلية والشرك والكفروالبدعة والفسق والفجور والظلم وغير ذالك يكون هذا العارف للمراد من هذه الإصطلاحات قادراً على معرفة الرجال ومراتبهم في الدّين, وخليقا لأن يكون عالما ربانياً لا تميل به الأهواء ولا يستخفّه الذين لا يوقنون .

قال الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه : "الناس ثلاثة عالم ربانيُ ومتعلم علي سبيل النجاة, وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق" ومراده من "الهمج الرعاع" هو الغوغاء الجهال الذين لا يتقون الله ولا يتعلمون العلوم النافعة, بل يلهثون وراء المطامع ليس لهم همّ غير المكاسب المادية, يتبعون كل ناعق لعلهم يجدون عنده من الدنيا ما يروي غليلهم ويشفى صدورهم . فإياك ان تكون من هذا الصنف الذليل الحقير المنافق الذين هم عند الله من الأذ لين الخاسرين .

 

وليكن قلبك دائماً موصولاً بالله وتوجه اليه بالدعاء خوفا وطمعاً وأدعه بالدعاء المأثور الذي كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستفتح بها في صلاته من الليل : " اللهم رب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين