الصراع بين الشرعية والعلمانية في مصر





الصراع بين الشرعية والعلمانية في مصر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تذكير للأمة بمناسبة الأحداث الجارية 
كلمة قلناها بتاريخ 25 يونيو 2012 :
إلى الإخوان والمتفائلين بالوصول إلى الحكم والمجالس الكفرية :
" أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
فمحال أن يستوى ما أسس على جرف هار ( الديموقراطية واحترام الدساتير وغيره وغيره ) ، بما أسس على التقوى ( بالتبرأ من الأوضاع القائمة ، و ابتغاء الله وحده حكما ومشرعا ) من أول يوم .
فلا داعى للتفاؤل بما نهايته الإنهيار و بما مُنع وحُرم هداية الله وتوفيقه.

ونحن نذكرها لنؤكد بها أن المصير كان معروفا محتوما إنها سنة الله فى الأرض ولن تجد لسنته تبديلا ولا تحويلا، وقد ذكّرناكم ونصحناكم وقتها أن هذا ليس هو الطريق ولن يكون يوما ما، وذلك من خلال ما يسر الله لنا من كتابات وأقوال ..

...

وكلامنا الآن هو نفس كلامنا بالأمس فالقضية واحدة لا يعتريها تبديل ولا تغيير إنها الإسلام الذى يأبى مزاولة الكفر بنية الإصلاح لأن الضرر لا يزال بالضرر - لاسيما إن كان هو نفس الضرر ؛ فإن أردنا إزالة دستور كفرى فلن يكون الطريق إلى ذلك أبدا ترميمه بتعديل ولا بقسم على احترامه والعمل به .

وقد شاء الله العلى القدير أن يجعل سالكى هذا السبيل - ناخبين ومؤيدين ومُنتخَب - يصلون إلى منصب الطاغوت من خلاله ، ذلك المنصب الذى سعوا إليه سعيا حثيثا ظانين أن الوصول إلى ما وصلوا إليه سيمكنهم من الإصلاح والتوفيق ، وأن المقصد ونية الإصلاح ستمحو عنهم كل خطيئة ترتكب فى سبيل ذلك كفرا كانت أو معاصى بل إنهم لم يثبتوها فى حق أنفسهم كفرا ومعاصى أصلا.

أما نحن فنعم نتمنى ونرجو أن تكون مصر وغيرها من الدول إسلامية تقيم شرع الله كما أراد الله ولا تبتغى غيره حكما ولا ربا ولا إلها لا فى مقاصدها ولا فى وسائلها ،

نعم نتمنى حاكما شرعيا للبلاد والعباد استمد شرعيته من مالك الملك يوم أن حقق الإسلام فى نفسه وفى شعبه وفى حكمه وفى طريقة الوصول إليه ،

نعم نتمنى الشهادة فى سبيل تحقيق هذه الأهداف والحفاظ عليها بالنفس والمال وإنا لنظنه ثمنا زهيدا لكن عسى الله أن يبارك فيه ويجعل منه سببا لتحقيق أمانينا،

نعم نتمنى أن يفهم الناس جميعا حقيقة الإسلام وحقيقة دعوته وأنه لا يجيز كفرا فى سبيل تحقيق غايات مهما علت شأنها وعظمت ، وقلنا ولازلنا نقول : أن البعض أصبح لا يرى مواطن الخلل فى الوسائل والممارسات فى غمرة صلاح المقاصد والتطلعات ، كالرغبة فى تطبيق الشريعة وغيرها ظنا منهم أن حسن النية والمقصد يبيح لهم ظلم الوسائل وشركها ، غافلين عن معنى هام جدا وهو أنه مهما علا شأن المقصد والغاية فهذا لا ينبغى أن يجعلنا نغفل عن وسيلة تحقيقه ؛ لأن الإنشغال بتأمل الغايات والغفلة عن النظر فى مشروعية وسائلها و تقييم طرق تحقيقها هو سلاح من أخطر أسلحة الشيطان ، ولعل هذا هو السبب فى أننا نجد فى القرآن آيات عديدة دالة على وقوع الشرك والفساد من الناس وهم لا يشعرون وهم لا يعلمون بل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وما هذا إلا بسبب الجهل والغفلة عن مشروعية الوسائل والطرق التى يُتقرب إلى الله بها و عدم التقيد بما أمر الله به من طرق ووسائل يتقرب إليه بها ، ولم يكن مثل هذا عذرا لهم عند الله بل كان سببا فى عذابهم وهلاكهم .

تمنينا ولازلنا نتمنى ونرجو من الله أن يمن على عباده بالهداية والتمكين وصلاح العقيدة والأحوال، راجين منه سبحانه وآملين أن لا تنحرف بنا الأمانى لتخرجنا عن هدى محمد والأنبياء من قبله - صلوات ربى وتسليماته عليهم أجمعين - فى سبيل تحقيقها أو تجعلنا نحتكم إلى العواطف والآراء من غير برهان قاطع .

يعتصرنا الألم ونحن نرى دماء تراق وأنفس تزهق ظلما وعدوانا ونعلم أنها ليست فى سبيل الله وإنما هى فى سبيل شرعية كاذبة كافرة ، فلا نجد ما يصبرنا ويربط على قلوبنا إلا حسن ظننا فى تدبير الله العليم الحكيم فعسى أن يفيق الناس ويدركوا أن هذا لم يكن هو الطريق ولن يكون يوما ما .

نستبشر خيرا ونسعد كثيرا عندما نسمع اليوم من يلعن الديموقراطية الشركية ويعترف بخطأه وخطأ شيوخه فى إحسانهم الظن بها يوما أن تكون طريقا لتطبيق شرع الله ، وتشتد فرحتنا عندما نسمع الكثيرين يقرون اليوم أن الطريق لابد أن يكون قائما على الدعوة الخالصة لدين الله ونسمع تندمهم على الوقت الضائع الفائت فى غير ذلك من الطرق المضللة ، التى ربما لو كانت استغلت فى الطريق الصحيح لأصبحت الجموع اليوم تهتف بتطبيق الشريعة ولا ترضى بغير ذلك بديلا ولا تدرجا فى تطبيقها وضلالات.

لذا فسنمضى فى طريق الأنبياء كما بدأنا ، ندعو الناس إلى طريق الرشاد من غير أن تنحرف بنا الأمانى واستعجال النصر والرغبة فى العافية والمصالح الدنيوية أو الدينية الخادعة ، فترمى بنا وسط حشد من الحشود أو لواء من الألوية التى جميعها جاهلية لا ترضى رب العباد ،

إن أغلى ما يمكن أن يقدمه من منّ الله عليهم بالهداية وبصّرهم بالحق هو الثبات ، الثبات على مراد الله ؛ فالمواقف هى التى تتضح العقائد ‏من خلالها فيعلم أيا منها كان سقيما وأى منها كان مستقيما ، نسأل الله القول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، 

فلن نقف فى صف فصيل دون فصيل – كما لم نقف من قبل - طالما أن الرايتان كفر بالله لا يرضاه إذ لا فرق بين الرايات الشركية فى ميزان الله ، فحتى وإن كانت إحداهما أعتى فى الظلم والطغيان والعدوان ، فكلاهما شرك واجب البراءة منه وممن تحت لوائهما حتى وإن اتفقنا مع أحدهما فى أمور فسيبقى الفرق بيننا وبينه هو ذاته الفرق بين الإسلام والكفر .

البعض يظن أن الاشتراك فى بعض الأفكار أو المقاصد أو بعض المصالح يعنى التقارب والتناصر وهذا فى غاية البطلان طالما ظل الفرق بينهما هو نفسه الفرق بين الإسلام والكفر ، بل إن مثل هذا الإشتراك يوجب علينا التباعد والإعتزال ربما أكثر مما تستوجبه غيرها من الأفكار والمقاصد التى يقل بيننا وبينها وجوه التشابه والاشتراك ‏حتى لا تضيع الحدود الفارقة والمائزة بينهما،
وليس هذا الدور منا تفضلا بل هو واجب علينا ، تحقيقا لركن من أركان الإسلام وهو البراءة والمفاصلة ،
‏فمرسى وغيره من الحكام لم يستمدوا سلطتهم من مالك الملك فليس لهم شرعية فهم طواغيت جميعهم فى الكفر والشرك سواء وإن كان بعض الكفر أشد من بعض ،

نعم قد يشارك المسلم الكفار فى بعض النشاطات التى تكون دوافعها مشروعة لا يشوبها شرك ولا كفر ‏لا فى المقصد ولا فى الوسيلة، وقد يفرح أيضا إذا سمع بانتصار من يرى أنه سيضمن له شيئا من حقوقه أو يكون أقرب إلى الصواب ‏والحق، ‏لكن أبدا لن يقف مسلما رافعا لراية تثبت لهم شرعية أو تطالب بإرجاعها أو ناصرا لها بأى وسيلة من وسائل النصرة والتأييد ، تلك الشرعية الشركية الكاذبة التى ادعتها لنفسها من دون الله ومن غير أن يأذن الله ، كما لم يشارك مسلم من قبل فى وجودها وقيامها عندما شارك من شارك فى الإنتخابات والإستفتاءات بنية و بزعم ألا يعتلى الأشد كفرا وطغيانا ‏وإضرارا بالإسلام والمسلمين .

‏إن المسلم الراسخ فى إيمانه يعلم تمام العلم أن خطر ومضرة الذين ينتسبون إلى الإسلام زورا على الإسلام لا تقل عن غيرهم من الكفار بل تزيد ، فهم يدعون الإسلام فى ذات الوقت الذى يرفضون فيه حقائقه التى لا يتحقق إلا بها بل ويفعلون نواقضه ، فينتج عنه تحريفا وتشويها للإسلام وحقيقته ، 

فهذا الخطر يستوجب منا تعاملا أكثر حذرا معه وعدم التهاون فى أى قول أو فعل يكون سببا فى عدم ظهور الفوارق جلية ويكون سببا فى وقوع التباسات وتوهمات ، وقد سبق أن قلنا منذ بداية اندلاع الثورات فى البلدان العربية : ‏
( إن الناس اليوم فى أحوج ما يكونوا إلى من يصلح لهم عقيدتهم حتى تنصلح وجهتهم وتصوراتهم وتتغير ‏دوافع الثورة لديهم من ثورة ضد الظلم والإستبداد فحسب إلى ثورة تتوحد أهدافها فتكون ضد أكبر ‏الظلم وهو الشرك بالله الواحد القهار ، فيجب أن يعلموا :‏

- أننا نألم من شئ أكبر بكثير مما يؤلمهم ، فلا نشاركهم فى تظاهرات لأن دوافعنا ووجهتنا ليست ‏واحدة و حتى لا ينخدعون - أكثر مما هم مخدوعون - فالموقف الآن يحتاج إلى قدر كبير من ‏التمايز وإظهار الفروق . ‏

- ونرجوا شيئا أكبر بكثير مما يرجونه وهو مجتمع إسلام لا يقوم على تقديم أى تنازلات فى سبيل ‏الوصول إليه لاسيما التنازل عنه من أجل الوصول كما تفعل الجماعات المنتسبة إلى الإسلام اليوم من ‏سلفية و إخوان وغيرهم، فلا نشارك فى صناعة أصنام عن طريق المشاركة فى الإنتخابات بشتى صورها ‏كما لم نقوم من قبل بترميم أصنام عندما شارك الجميع فى الإستفتاء على التعديلات الدستورية ،
لذلك فإنى أرى أن دورنا الحقيقى الآن هو دعوة الناس إلى التوحيد الخالص والإسلام الحقيقى ‏وتعريفهم به وبالفرق بينه وبين الإسلام الزائف الذى هم عليه و الذى هو أقرب للكفر من الإيمان .‏ )

والوضع هذه الأيام يتطلب منا مفاصلة واجتناب أكثر منه بالأمس إذ لم تعد النداءات والشعارات والرايات تعبر عن مطالب و دوافع عامة بل هى بين نوعين من أنواع الكفر تتردد ، فهو صراع بين العلمانية وبين الشرعية الشركية والإسلام المشوه الغير حقيقى ،
فينبغى على كل مسلم وداعى إلى الله أن يراعى ذلك فى كلامه وأفعاله وليحذر حتى فى نقولاته وردوده أن تكون ضد أحدهم دون الآخر حتى لا يظن الإنحياز للجانب الآخر ، وكذلك عند مدح بعض الجوانب لدى أحدهم لا ينبغى أبدا أن يكون بمعزل عن الإشارة إلى أوجه الضلال وتبيين حدود هذا المدح ، حتى لا نكون سببا فى الإضلال ووقوع الإشتباهات والخلط.

إن النجاة كل النجاة والمصلحة فى طريق الأنبياء وإن بدا وعرا صعبا مهلكا للأنفس والحقوق ‏، فهو فى حقيقته أقصر الطرق وأصلحها وأجلبها للحقوق والحياة الطيبة ، ومن أراد نصرة دين الله فعليه بطريق الأنبياء يلزم غرزهم ، يدعو للحق ويجهر إن أراد ‏بدعوته ، قال تعالى : " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي ‏إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا ‏وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " الممتحنة ،

وأنا أنصح بذلك كل مؤمنا ثابتا صبورا عالما بدعوته قادرا على التعبير والذب عنها بشكل شرعى ‏سليم قاطع لا يعتريه ‏أى لبس أو وهن‏، معلنا أنه ضد الشرعية الشركية كما أنه ضد العلمانية الكفرية وأنه برئ من ‏كل الممارسات ‏الكفرية ‏التى مُرست وإن كانت بنية تطبيق الشريعة وتحكيمها، ‏
وليكن شعاره : لا للشرعية الشركية الكاذبة ولا للعلمانية والليبرالية الكافرة ، نبرأ منكم ومنها وندعوكم للدخول فى الإسلام وإعلاء رايته ‏وحدها حكما ومهيمنا .‏

كتب الله لهذه الدعوة القبول ، والحمد لله رب العالمين مدبر الأمر الهادى إلى سواء السبيل ، ونسأله سبحانه الهداية والرشاد والثبات فى هذا التمحيص ونعوذ به من الخذلان واتباع الأمانى والمهلكات.

 

فرقان