مفهوم السيادة





مفهـوم السيـادة

 محمد سلامي

 

إن سيادة الشعب بنيت على الإطلاق، وكل ما يصدر عن صاحب القرار السيد حق، فالمشركون لا يشترطون موافقة شرع الله في سيادة الشعب حتى يمنحها المصداقية، بل أطلقوها حتى صار شرع الله عندهم غير شرعي ولا مصداقية له، وأحيانا يريدون أن يمنحوه المصداقية عبر استفتاء الشعب، فلا شرعية لشرع الله ولا احتكام إليه إلا بمصادقة الشعب والنواب والرئيس.

 

ووضعوا العصمة بيد الشعب أو نوابه، فالأمة حكمها مقدس ولا تُحاسب ولا تُسأل عما تفعل وتقرر، بينما الله وحده الذي [لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] [الأنبياء: 23]، [إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ] [المائدة: 1]، وقد تقرر في أصول الفقه أن القول بلا علة تعبّد، والتعبد لا يكون إلا من المعبود.

 

فالشعب يحكم نفسه بنفسه لنفسه، ويطيعونه طاعة مطلقة، لأن الشعب سيادته مطلقة وإن خالف شرع الله، فهم يرفضون أن يقيدوها بقانون الله، ولم نرهم قيدوا سيادة الشعب بسيادة الله التشريعية، إلا إذا أراد علماؤهم الإعتذار عن كفرهم بكون الشعب يحكم في القضايا الإجتهادية فقط، وهو قول يكذبه الواقع، فكل خصائص هذه السيادة المعروفة في الغرب هي متوفرة وموجودة فعلا عند هذه الأمة.

 

فالذي يملك السيادة التشريعية بدلا من الله –سواء كان الشعب أو نوابه– يحل الحرام وما أغضب الله، ويحرم الحلال بل ما أوجبه الله، ولا يلتزم بشرع الله لأن تشريعهم مطلق، ولا صوت يعلو فوق صوت الشعب، وسيادة الشعب تسقط الجهاد للتمكين لدين الله في الأرض، بسبب تقريرها حق الشعوب في حكم نفسها بأي نظام شاءت.

 

قال اشتياق حسين قريشي كما في "الديمقراطية في الإسلام" للعقاد (61): (أما صاحب السيادة السياسية في الباكستان –شأنها في ذلك شأن غيرها من الدول– فهو الشعب، ولا يتعارض هذا القول بطبيعة الحال مع فكرة السيادة الإلهية، فالله –سبحانه وتعالى– سيد الكون لا راد لإرادته، وهو صاحب السيادة في كل دولة إسلامية كانت أو غير إسلامية، والمتحكم في مصير كل فرد من أفرادها سواء منهم الذين يعترفون بوجوده والذين لا يعترفون به، ولكننا حين نتحدث عن السيادة فإنما نقصد بها السيادة العملية، وبخاصة في الدول التي لا تعترف بوجوده سبحانه وتعالى، وليس من المستحيل –مهما يكن ذلك بعيد الإحتمال– أن يكف أهل الباكستان عن إيمانهم بالله، فإن فعلوا –لا قدر الله– فإن السيادة الإلهية لا تبطل، ولكن سلطة الشعب ستوجه الأمور في البلاد توجيها آخر...وواضح من هذا أن شعب الباكستان -ككل شعب آخر صاحب سيادة- يستطيع إذا رغب أن يتخذ ما شاء من قرار سواء كان صالحا أو غير صالح).

 

إن سيادة الله هي معنى ربوبيته وألوهيته معا، فكما أن له الحكم القدري الكوني في تسيير الكون والحياة فله الحكم الشرعي والسيادة الشرعية التي تعبدنا بالإيمان بها، وعدم الإشراك به فيها غيره، مثل السيادة الكونية.

 

فإن سلّمنا بسيادة غير الله سواء كان فردا أو جماعة سيادة مطلقة لا حدود لها، بحيث نلغي سيادة الله الشرعية، ولو في جانب من جوانب الحياة، نكون قد اتخذنا ذلك السيد إلها من دون الله في الواقع وإن لم نقر بذلك، وهذا يبطل الإسلام .

 

كما أن الذين آمنوا بتصرف الله وحده في الكون ولم يؤمنوا باستحقاقه وحده للعبادة كانوا غير مسلمين، والله يحتج عليهم بهذا التناقض، فما داموا يؤمنون بأن الله هو المتصرف في الكون والأقدار بيده، لماذا لا يؤمنون  بنظامه الذي تعبّدهم باتباعه في تنظيم حياتهم الجماعية؟ وليس الإنسان إلا ذرة في هذا الكون، فماله يشذ عن مخلوقات الله؟!

 

 [قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ[يونس: 31].

 

قالوا: نحن نحترم المعتقدات الشخصية بخلاف الأنظمة الملحدة، لكن لا يصح في نظامنا أن تصبغ الحياة المدنية بالصبغة الدينية، مع احترامنا لجميع الأديان، وهذا لاعتقادهم أن الكفر هو الإلحاد وإنكار ربوبية الله فقط.

 

يعتقد هؤلاء أن الفرق بين الدول المسلمة وغير المسلمة هو الإيمان بوجود الله وسيادته، لكن هذا يؤمن به المشركون بالله، وبالتالي فليس هو مناط التفريق بين المسلمين والكفار، وبما أنهم لا يقبلون سيادة الله التشريعية ويؤمنون بسيادته الكونية فإنهم يحصرونها فيها، حتى لا يقال أنهم قد كفروا بالله، مثلما عزلوا دين الله عن تنظيم المجتمع، وأقروا بخضوع الفرد فقط لله عز وجل.

 

وفي نفس السياق تنتشر بعض الفتاوى المشبوهة والمبررة لهذا الكفر البواح، يقول –مثلا– عبد المالك رمضاني في شريط "التوحيد والحاكمية": (بل بعض العلماء كابن كثير –رحمه الله– فسر آية [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للَِّهِ] قال: هو الحكم القدري، أي قدر الله عليكم أن تدخلوا السجن، فاحمدوا الله واشكروه على أنه لم يقدر عليكم أشد من ذلك، وعليكم أن ترضوا بقدر الله –عز وجل– مما أنتم فيه، فلا علاقة له بالحاكمية التي يدندن حولها هؤلاء).

 

وكأن الحكم الشرعي ليس لله، فماذا يفعل هؤلاء بقول الله–تعالى-: [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ] [الشورى: 10] وغيرها من النصوص؟

 

قال عباس محمود العقاد محاولا تعديل هذه العقيدة والتقريب بينها وبين الإسلام (63): (غير أن القول بأن الأمة هي مصدر السيادة في الإسلام لا ينبني على أنها قد تتحول عن دينها في احتمال قريب أو بعيد، إذ التحول عن الدين جريمة كبرى في جميع الأديان، وليس بالمعقول أن ينبني على الجريمة حق من الحقوق فضلا عن حق السيادة الذي هو مصدر جميع الحقوق) .

 

لكن هذا كلام نظري، فماذا نقول إذا كان القانون المنبثق عن إرادة الأمة لا يعتبر التحول عن دين الإسلام جريمة، وإنما يعتبره حقا مكفولا، ويصرح بحرية الإعتقاد؟!  

 

فهذا وزير للأوقاف يصرح بأن الإسلام يحترم حرية الإعتقاد للمتنصرين، رغم أنه يعتبرهم مرتدين عن الإسلام، ولكنه يخشى منهم على الوحدة الوطنية فقط، فباب الردة مفتوح قانونا ولا حكم له فيها، ودساتيرهم تقول ابتداء أنه لا جريمة ولا عقوبة عليها إلا بنص قانون.