دار الإسلام ودار الكفر





دار الإسـلام ودار الكفـر

 محمد سلامي

 

قال محمد علي فركوس في "مجالس تذكيرية على مسائل منهجية" (58): (فهذه التسوية بين الجزائر وبين غيرها من بلدان الكفر كإنجلترا وفرنسا وألمانيا هي تسوية بين بلاد تدين بالإسلام وأخرى لا تدين إلا بالشرك، ومثل هذا يعد من "التكفير بالعموم" أو "التكفير الجماعي" ولا يخفى أن مثل هذا المعتقد مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة ولأصولهم، وإنما هو معتقد الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر...هذا وإذا كان البلد أظهر شعار الدين من النطق بالشهادتين ورفع الأذان فيه وإقامة الصلاة واستقبال القبلة، ومكّن أهله من أدائها أصالة وبأمان، لا معاهدة أو اتفاقـًا وتبعا فإن ذلك البلد معدود من ديار الإسلام عند أهل السنة، لا دار كفر كما رأته المعتزلة) .

 

إن القول بأن الجزائر بلد يدين بالإسلام وإنجلترا بلد لا يدين إلا بالشرك مخالف للواقع، فإن كان هذا الحكم على الأفراد فكلا البلدين قد يكون فيه مسلمون وكفار، وإن قيل أن الأغلبية هي التي عليها مناط التفريق بين الدارين فهذا يفتقر إلى دليل، مع العلم أننا نختلف في "تعريف المسلم".

 

أما تفريق علماء السلف بين دار الإسلام ودار الكفر فكان حسب نظام الحكم السائد فيها، وإلا فإن دار الإسلام قد يكون في بعض مناطقها أهل الذمة أكثر من المسلمين، لا سيما حديثة العهد بالإسلام، وقد يكثر المسلمون في بلد تغلب عليه الكفار وهو دار كفر، فالمعتبر هو الحكم السائد إن كان لله أو للطاغوت، وهو المتعارف عليه بين الدول أيضا، فالبلاد الإشتراكية أو الديمقراطية أو غيرها تسمى كذلك للنظام الحاكم فيها، وإن كانت أغلبية الشعب لا تعتنقها، فإسلام الأفراد والجماعات أو كفرهم لا علاقة له بحكم الدار والدولة إن لم يتبعوها.

 

وإن كل بلد حكمته العلمانية حقيقة وإن لم يتسمّ بها وبمذاهبها كالديمقراطية والإشتراكية فهو دار كفر وإن كان بلدا يسكنه المسلمون، فكل بلاد الله قد يسكنها مسلمون، فكيف إذا تسمى بهذه المذاهب صراحة وأظهر شعارها؟

 

ليس كل أرض يُذكر فيها إسم الله هي دار إسلام، ولكن دار الإسلام هي التي تحكمها دولة تحمي وتحفظ مبادئ الإسلام وتقوم عليها، كما أن الدولة الديمقراطية هي التي تحمي الديمقراطية وتقوم عليها، لا التي يعتنق شعبها مبادئ الديمقراطية أو يتطلع إليها.

 

وإذا أظهر بلد شعار الدين من النطق بالشهادة ورفع الأذان وإقامة الصلاة، ومكن أهله من أدائها أصالة، وأظهر مع ذلك شعار الكفر من حكم الطاغوت ثم الحرب على شرائع الله ونشر مبادئ الكفر يكون هذا البلد دار كفر وليس بدار للإسلام، كالبلاد التي تغلب عليها أتباع مسيلمة والعبيديون والقرامطة، مثل المرتد الذي يقوم فيه نوع من الكفر يخرجه من الملة ويحكم عليه به، ويبطل ما يقوم به من عقائد  الإسلام وشرائعه، فلماذا التركيز على المعاصي والتغافل عن الكفر؟ وتكفير المسلم بالكبائر لا دخل له في حكم الدارين، وإنما يحشرونه هنا حشرًا بلا معنى.

 

كل هذا يبين أن القوم لا دين لهم، وإن كانوا يحسبون أنهم على دين، وإنما هم يقومون بحملة تنظير للعلمانية كدأبهم مع كل مذهب لا يقدرون على إنكاره.

 

وإلا كيف يقولون أن المقصود بظهور أحكام الإسلام هو الصلاة والأذان؟ لأن الصلاة أعظمها، ولأن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال عن مشروعية الخروج على الحكام: (لا، ما صلّوا) [رواه مسلم والترمذي وأبو داود وأحمد]، فما دام يصلي فهو مسلم له بيعة، وهو حاكم شرعي!

 

وكأنهم إذا صلوا وظهر منهم الكفر البواح لا يجوز الخروج عليهم، وكأن كون الأذان من مظاهر البلد يمنع كفرهم، بما أن النبي –عليه الصلاة والسلام- منع الإغارة على المشركين إذا سمع الأذان، رغم أن الأذان هو الذي يدل على الإسلام بترك الكفر وإلا فلا يعتبر به، وهو كناية عن الكل بالجزء، فالأذان لا يمحو العلمانية وغيرها من الكفر.

 

ولو رُد القوم إلى زمن مسيلمة وأتباعه لاعتبروهم مسلمين ودارهم دار إسلام ما داموا يؤذنون ويصلون، ولالتمسوا لهم المعاذير كالجهل والتأويل، كما يقولون فيمن يؤمن بألوهية غير الله من الشيعة والصوفية.

 

وقد فرق السلف قديما بين الدارين على أساس نظام الحكم نتيجة الواقع الذي فرضته الدعوة الصحيحة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكل بلد فتحه المسلمون صار دار إسلام، على اعتبار أن المسلمين لا يحكمون إلا بشرائع الإسلام، لا كالذين يظنون أنهم مسلمون، فكانت حدود دار الإسلام معروفة عند العلماء والعوام والكفار، وكانت أحكام الدارين موجودة، ولم يستحدثوا إلا التسمية وجمع أحكامها وتفريعاتها وما استجد منها، فوضعوه ضمن أطره، فهذا التقسيم ليس اجتهاديا.

 

ولقد ذهب البعض إلى أن تقسيم الدارين مؤقت بعصر الخلافة، وأنه أثر من آثار الحرب، أما اليوم فقد ارتبط العالم بالمعاهدات وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، والوفاء بها واجب كما أمر الله، فجعلوا الوفاء بعهد الكفر واجبا، كالإنتماء إلى هذه المنظمة أو غيرها، والمصادقة على مبادئها الأساسية، والإحتكام إلى شرعها، وتطبيق مبادئها في التربية والثقافة ونظام المجتمع ككل عوضا عن مبادئ الإسلام ونظامه، فجعلوا الكفر حجة.

 

وقالوا أن الفقهاء اختلفوا في هذا التقسيم القديم، رغم أن الأمر الواقع الملموس لا يمكن الإختلاف فيه، فتعاريف الفقهاء كانت تؤدي معنى واحداً.

 

حتى الفقهاء الذين تكلموا عن إقامة الجُمَع والأعياد لتكون الدار دار إسلام قصدوا ما كان في عصرهم، واشترطوا انتفاء أي خصلة كفرية إلا بجوار أو ذمة أو أمان لا أصالة كما هو الآن، ولعدم إقرارهم يومها بالدين الذي رضيته العلمانية قالوا أن الفرق هو الأمن، لأن المسلمين لا يأمنون في دار الحرب عادة، فالخلاف صوري غير حقيقي، أما اليوم فلسكوتهم عن العلمانية رضيت عنهم وأمّنتهم وأعانتهم.

 

ونتيجة لرضى هؤلاء العلماء بالعلمانية صاروا يفرقون بين الدارين على أساس المعتقدات الفردية والشعائر التعبدية، لأنهم رأوا أن شرع هذه البلاد والبلاد الأوربية سواء ونظام حكمهما واحد، فلم يجدوا فرقا غير ذلك رغم نسبيته، فتمسكوا به، ووضعوا تقسيمهم وفق الواقع الذي فرضته الوطنية العلمانية والنظام العالمي المعاصر.

 

واحتج البعض بأن الإسلام دين لكل زمان ومكان، فغيروا ذلك التقسيم ليلائم العصر، ويكون الإسلام صالحا لهذا العصر! فالتوجه العام يسعى لعدم اعتبار أوربا وغيرها دارًا للكفر.

 

وهناك من قال بأننا اليوم في منزلة لا هي دار إسلام ولا هي دار كفر، أو أنها دار كفر حادثة لا أصلية، فيعامل من فيها من مسلم كمسلم ويعامل الكافر ككافر.

 

وكل هذا لا دليل عليه ولا حجة، فحتى دار الكفر الأصلية ودار الإسلام يعامل من فيها من مسلم كمسلم والكافر ككافر، كما أنه لا منزلة بين الإسلام والكفر وبين المسلم والكافر، والمسلم إذا ارتد صار كافراً والعكس صحيح، ولا فرق من حيث الحكم بين من وُلد لأبوين كافرين ومن ارتد بعد إسلامه، ولا فرق بين من ولد لأبوين مسلمين ومن دخل في الإسلام بعد كفره، والمسجد إذا حُوّل إلى كنيسة صار كنيسة، كما أن الكنيسة إذا حولت إلى مسجد صارت مسجداً من بيوت الله له أحكام المساجد الأصلية.

 

وحتى دار الإسلام ليست أصلية إذ أنها حادثة، وسواء في دار الإسلام التي حُولت إلى دار كفر تلك التي احتلها الكفار أو ارتد أهلها، أو تلك التي عادت شعوبها إلى الكفر عبر أجيال عن جهل كما هي عليه الآن، فلا منزلة بين المنزلتين على كل حال.

 

إن قضايا التمييز بين الدارين والإحتكام إلى الطاغوت والتمييز بين المسلم والكافر لها ارتباط وثيق، ولذلك فمن حرف إحداها لزمه تحريف الأخرى بالضرورة.