إدخال شرع الله في العملية الديمقراطية





إدخال شرع الله في العملية الديمقراطية

 

قال علي بن حاج في جريدة "أخبار الأسبوع" (5/7/2003): (إذ خير طريقة للرد على هؤلاء وكشف زيفهم هي محاكمتهم إلى أصول الديمقراطية التي يرفعون شعارها لإثبات أن ليس لهم من الديمقراطية إلا الإسم، وهذا أسلوب قرآني في مجادلة الخصم، وإقامة الحجة عليه من عين ما يؤمن به ويعتقده لإفحامه، فلما اخترع اليهود حكما مخالفا لحكم التوراة أقام الرسول عليهم الحجة من التوراة نفسها التي يؤمنون بها...قال -تعالى-: [قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ]... [...قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ]...

بل يجوز أثناء المجادلة والمحاججة أن تسلك الأسلوب الذي ذكره الله -تعالى- في قوله: [وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ]...وهو أسلوب سلكه سيدنا إبراهيم في محاججة قومه الذين رفضوا الوحي فأرغمهم بقوة الحجة العقلية...وعندما حطم الأصنام قال لهم: [فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ]...

لو حاكمناهم إلى الديمقراطية لكانوا عرقاء في الإستبداد والديكتاتورية، ولو حاكمناهم إلى أصول الحكم في الإسلام لكانوا أبعد الناس في فهم حقيقة الإسلام في سياسة الحكم...

فكيف يقال لمن صادر اختيار الشعب وفتح المحتشدات وأقال الرئيس وحل البرلمان وحطم المؤسسات وأحدث فراغا دستوريا وتلاعب بمواده، فخوّل لهيئة استشارية إيجاد سلطة تنفيذية غير دستورية...كيف يقال لمن فعل كل هذا: عفا الله عما سلف؟!) اهـ .

 

إن خير طريقة للرد على الديمقراطيين أو غيرهم –بل الطريقة الوحيدة المشروعة- هي محاكمتهم إلى دين الله لا إلى كفرهم، فليس هذا من أسلوب القرآن في مجادلة الخصوم، لأن الله قال: [وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا] [الفرقان: 52أي بالقرآن.

 

أما الأدلة العقلية الواردة في القرآن فليست احتكاما إلى دينهم، وقول إبراهيم لقومه: [فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ[الأنبياء: 63]، لابد أن جوابها أنهم لا ينطقون، وبالتالي تبطل عبادتهم.

 

فالدليل للكافر عقلي غير نصي، وهو في القرآن عقلي، بخلاف المسلم أو الكافر الذي يدعي الإلتزام بالإسلام، ولولا ذلك لما احتاج القرآن إلى إقامة الأدلة، ولقرر التوحيد فقط، مثل تشريعه الأحكام للمسلمين.

 

وأما الإحتكام إلى الديمقراطية فهو قبول بها والتزام بحكمها، وهو الإيمان بالطاغوت، ويؤدي إلى إقرارها والرفع من شأنها، لا إلى إبطالها، بقولنا أن هذا الظلم لا تقره الديمقراطية أو الدستور أو الحرية العلمانية، فنواجه الظلم بالكفر.

 

وأما قول الله -تعالى-: [قـُلْ فَأْتُوا بِالتَوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] [آل عمران: 93]، فهو استشهاد بما بقي في التوراة من كلام الله الذي لم يحرفوه، لا بما حرفوه منها.

 

وأما قوله: [قـُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ] [الرعد: 43]، فهي مثل سابقتها احتكام إلى ما بقي في الكتاب وهو التوراة والإنجيل، إذ فيهما البشارة برسالته صلى الله عليه وسلم، فلو شهدوا بخلاف ما في الكتاب فشهادتهم باطلة، فلم يكن ملزما بما سيقوله الأحبار لو كذبوا، فهذا دعوة لهم للإستخبار لا فصلا في الخصومة، وقد شهد بصدقه من أسلم من علماء اليهود والنصارى.

 

وأما قوله -سبحانه وتعالى-: [قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ] [سبأ: 24]، فليس شكا في أنه على هدى، ولكن يثبت لهم بأن أحد الفريقين على هدى لا أكثر، وأنه لا لقاء بين الهدى والضلال.

 

والشيخ هنا يدافع عن الدستور الذي يخالف شرع الله، وعن البرلمان والرئيس اللذين يشرعان ويحكمان بشرع يخالف شرع الله، فينتقل من مجرد إظهار بطلان مذهب خصمه إلى الدفاع عنه، كيف لا وهو الذي رضي بالعمل في إطار الديمقراطية، رغم تصريحه بالكفر بها بلسانه.

 

بدأ أولا بإلزامهم بمبادئ يدّعون اتباعها، ثم انتهى بالتزامه لها هو بنفسه، بل والإنتصار لها ضدهم، فأي دين هذا؟! وأين هذا من قول الله –تبارك وتعالى-: [فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ] [الشعراء: 216]؟ في صراحة المسلم أثناء دعوته.

 

إنه وأمثاله يؤكدون دوما تقيدهم بالدستور، ويعلنون التزامهم به، ويقسمون يمين الولاء على ذلك، واحترام التداول على السلطة، هم وأهل المبادئ العلمانية الأخرى، لأن الدولة الكافرة لا تقبل انخراطهم في سلكها، وتقلبهم في مناصبها، وهم متبرئون من الدساتير والمبادئ القائمة عليها.    

 

وإدخالهم شرع الله في مجال التصويت مقابل الشرائع الأخرى إنما هو فخ وخدعة وقعوا فيها، إذ قبلوا بتداول شرع الله مع شرع الطاغوت على السلطة، وجعلوه محل تصويت واستفتاء ومصادقة، والتزموا مسبقا بحكم الأغلبية لا بحكم الله، وهو محل الكفر، لأن الإحتكام هو لعدد الأصوات لا إلى الدليل الشرعي، ووجودهم في السلطة أو في المعارضة يعطي الكفر دفعا قويا، إذ أنّ المعارضة هي جزء من العملية الديمقراطية ، حيث لا ديمقراطية بلا معارضة.

 

حيث يحوّلون الخلاف بينهم وبين العلمانيين الآخرين من خلاف بين الإسلام والكفر إلى خلاف حول برامج اجتهادية، وغاية ما يحققونه ليس العمل بشرع الله، وإنما يغيرون رجال الحكم المفسدين بآخرين أيديهم نظيفة، وكلهم تحت نظام جاهلي .

 

إنهم يعتبرون أنفسهم في دولة مسلمة، يتنافسون مع العلمانيين على الوصول إلى الحكم فيها حتى لا يحتكر هؤلاء السلطة، وكأنهم في عصر الخلافة الأول، حيث كان هناك مفسدون ليسوا بالكفار، ويؤمنون بوجوب التكامل معهم في إطار العلمانية لبناء الدولة.

 

إنه لا يمكن لمبدأ يعيش في إطار مبدأ آخر أن يواجهه، فهؤلاء الذين قبلوا المشاركة في البناء الديمقراطي باسم "الإسلاميين" في إطار ما يسمى باللعبة السياسية إنما يساهمون في تأخير الدعوة الصحيحة ويعطون الشرعية للعلمانية، إذ لا يصح للمسلم الذوبان في المجتمع الجاهلي وإيجاد مؤسسات اجتماعية داخله لإصلاح ثغراته، كمكافحة الآفات الإجتماعية، منافسة للعلمانيين الذين يتحركون في إطار نظامهم، وإنما أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك المؤسسات في المدينة.

 

ولا يدرون إن كانت الدولة اليوم خصمهم أو حليفهم أو حَكما بينهم، ويدعونها لنصرة الدين، ويدعون للتفاهم معها لمواجهة التحديات الخارجية في ظل الوطنية العلمانية، وذلك لأنهم يتصورون أن من يحارب الإسلام يمكن أن ينصر دعوته! كاستغاثة الضحية بالمجرم .

 

إن المنطق يقول بأن أي مبدأ يناضل ليكرس في حياة الناس يجب أن يحدد أبعاده وضوابطه، ويعرف أتباعه من خصومه، أما الإسلام في نظر هؤلاء فهو بعيد عن هذه القواعد التي اتفق عليها البشر حتى في مبادئهم المنحطة.

 

قال أحمد بن علي خطاب في "الإسلام والجزائر" (18): (ما كنت كتبته للرئيس الشاذلي بن جديد اقترحت عليه وعلى المسؤولين الجزائريين إذ ذاك العمل بالإسلام، ويتلخص ذلك فيما يلي: تخطيط ونسج دستور إسلامي...وعندما تتم الخطوط الكبرى لهذا الدستور السماويوليس هذا من السهليعرض على الشعب في استفتاء عام محكم بعد الإشهار له والتعريف به بسائر الوسائل، وعند ذلك فإن الشعب المسلم سيصوت عليه بأغلبية ساحقة، لأن التصويت ضده أو التخلف عنه يعتبر شرعا ردة وكفرا، وفائدة تصويت الشعب بالأكثرية المتوقعة أنه يقطع ألسنة المعارضين ويحطم أقلامهم المسمومة، لأننا سنحكم عليهم ونقضي على نزعاتهم باسم الديمقراطية التي يتغنون بمعناها...وفي هذه المدة المقررة لإدخال الدستور الإسلامي في حيز التطبيق تسمح السلطات لبعض المواطنين الذين يأبون الإمتثال لأوامر الإسلام أن يقيدوا أسماءهم وأحوالهم في مصالح بلدية مثلا، ويعلنون عن تبرئهم من الإسلام الحنيف، وهذا من حقهم، [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ]، وعند ذلك تصبح معاملتهم من طرف الإدارة الإسلامية ومن طرف المواطنين المسلمين معاملة غير إسلامية، فهم جزائريون مواطنون لهم ما للجزائريين وعليهم ما عليهم، لكن لا كمسلمين، ولا حق لهم في معاملة الإسلام في التزويج والإرث والشهادة والإشهاد ولا في الموت ولا ما بعد الموت...ويقطع المجتمع الجزائري هذه المدة في تلهف زائد وترقب سائد ساعة دخول الأحكام الرحمانية والقوانين القرآنية في دائرة التنفيذ والتطبيق، وعندما تدق الساعة المرتقبة يخرج مجتمعنا من طور ظلمات العصر الجاهلي) اهـ .

 

إن كل هذه التخبطات الهزلية ناتجة عن جمعهم بين الإسلام والديمقراطية، بين الحكم المطلق لله والحكم المطلق للشعب، وأن شرع الله لابد من تزكيته من طرف الشعب في هذا العصر، ولا بد أن يستمد شرعيته من الرأي العام وبأدوات الديمقراطية.

 

فكيف سولت لهؤلاء العلماء نفوسهم أن يسمحوا للناس بالإرتداد عن الإسلام ما داموا يعتبرونهم مسلمين أصلا؟ أليس هذا مخالفة لشرع الله الذي يدعون إلى الحكم به؟ ثم يعتبرونهم من أهل الذمة،  على أنهم كفار أصليون!

 

والواقع أن ذلك كلام فقط، وإنما هم يدعون للحكم بشرع الله في إطار وطني، حيث يكونون مع رافضيه سواء إخوانا في الإسلام، في اعتقادهم الباطل، ولهذا فرايتهم التي يرفعونها جميعا واحدة.

 

ولا يكون مسلما من رضي أن يُحتكم إليه أو يَحتكم إلى غيره حول العمل بشرع الله أو بشرع الطاغوت، وإن كان حكمه باتباع شرع الله، وسواء صوّت الشعب بالقبول أو الرفض فقد جعل نفسه سيدا فوق سيادة ربه عز وجل،  فكل من حكم بعد حكم الله فحكمه حكم طاغوت وإن كان موافقا لحكم الله، وكل هذا يبطل الفتوى التي تقول أن الدخول في البرلمان كفر لكن التصويت على من يسمونهم بالإسلاميين أولى لكي يكونوا أغلبية.

 

وحجة إقامة الحجة باسم الشعب مبدأ جاهلي، لأن الحجة في أمر الله ونهيه لا في رأي الشعب، وقد دعاهم خصومهم للإحتكام إلى الشعب أو نوابه في قضية اتباع شرع الله أو غيره، فقبلوا والتزموا بحكمه، فصيروا الشعب طاغوتا وعبدوه من دون الله، والله يأمرهم بالرد إلى الكتاب والسنة إذا تنازعوا في أي شيء في حياتهم، فما بالك بقضية الإسلام أو الكفر؟

 

فإن قالوا أن الشعب يختار شرع الله وليس حَكما، قلنا: كذبتم، هذا يخالف مبدأ الديمقراطية الذي قبلتم الدخول فيه، وإنما الشعب هو حَكم بينكم وبين خصومكم المعارضين لتحكيم شرع الله، بكل ما يشتمل عليه التحاكم من حاكم وحكم ومحكوم فيه ومحتكمين.

 

وإن قلتم: نحن على يقين من أن الشعب لا يصوت على غير شرع الله، قلنا: هذا لا يغير من حقيقة احتكامهم إليه شيئا، وقضية اتباع شرع الله أو غيره لا يحتكم فيها من يدعي الإسلام ولو إلى عمر بن الخطاب، ولو كانت القضية اختيارًا لا حكما لما التزمتم بحكم الشعب إن رفض شرع الله، فأنتم لا تفرضون حكم الإسلام إذا رفضه الشعب، ولكن تلتزمون بحكمه كما يلتزم أي متحاكم.

 

قال المرشد العام للإخوان محمد مهدي عاكف في جريدة "العربي" (العدد: 21): (إننا مع ما يقره الشعب وما تفرزه الديمقراطية، فإذا جاءت بأي شخص للحكم، سواء كان قبطيا أو مسلما يجب أن نقف خلفه ونؤيده، طالما كان مواطنا مصريا وطنيا بصرف النظر عن عقيدته، لأننا سنحتكم إلى الديمقراطية وما يختاره الشعب) اهـ.

 

فلقبولهم جميعا بفصل الدولة عن الإسلام كما فصلت عن النصرانية لم يروا حرجا في أن يحكمهم النصارى، لأن نظام الحكم عندهم واحد، وأي دولة لا تقبل أن يحكمها أو يتبوأ منصب القرار فيها من يعتنق نظاما غير نظامها وإلا انهارت، فحتى وإن لم يخنها فإنه لا يعمل للتمكين لمبادئ يخالفها، والتمكين لدين الله هو غاية بناء الدولة.

 

أما سماحهم لمن يسمى بالمسلم من الوصول إلى الحكم اليوم فهذا لأنه يفهم الإسلام في إطار نظامهم العلماني، أي أنه اعتقاد وشعائر تؤدى، وهذا ليس إسلاما، فالإسلام ليس بوذية تحكمها الإشتراكية، ولا هندوسية تحكمها الديمقراطية، وإنما يخالف الإشتراكية والديمقراطية كما يخالف البوذية والهندوسية .

 

يشبه هؤلاء في اتباعهم حكم الطاغوت من أجل تقويضه من الداخل، ما فعله الأيوبيون من قبل مع الدولة الإسماعيلية العبيدية الكافرة، وهي طريقة عرجاء ملتوية، بدايتها كفر ونهايتها كفر، فالضرر لا يزال بمثله.

 

قال ابن خلدون في "العبر" (9/620): (وجاء أسد الدين لقصر العاضد فخلع عليه الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش، وخرج له من القصر منشور من إنشاء القاضي الفاضل البيساني وعليه مكتوب بخط الخليفة ما نصه: هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، فتقلد ما رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحمله، وعليك الحجة من الله فيما أوضح لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة، واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، [وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً].

وقال في (9/552): (ثم هلك أسد الدين وقام صلاح الدين ابن أخيه مكانه، وهو مع ذلك في طاعة نور الدين محمود، وهلك العاضد فكتب نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بإقامة الدعوة العباسية بمصر والخطبة للمستضيء، ويقال أنه كتب له ذلك في حياة العاضد وبين يدي وفاته وهلك لخمسين يوما أو نحوها، فخطب للمستضيء العباسي وانقرضت الدولة العلوية بمصر) اهـ.

 

والقوم اليوم يشاركون في الحكم على أن يقبلوا بالمبادئ الجاهلية وشرائعها، ثم يسعون لتغييرها، حيث لا تعطى لهم الصلاحيات لذلك كحال يوسف صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن مخيرا بين الإسلام والحكم مع الكفر، لأن منصبه كان مباحا بخلاف الأعمال التي هي ظلم أو فسق أو هي كفر بذاتها، ولم يطلب المنصب حتى فوّض إليه الأمر كله، ولذلك طلبه مختارًا لا مكرها، ولم يكن ليطلب الكفر مختارًا ولا مكرها.

 

فقد دعي رسول الله إلى ما دُعوا إليه فأبى وأجابوا، ولم تعط لهم الصلاحيات المطلقة التي أعطيت له، حتى قالوا له: (إن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا) [قال الألباني: أخرجه ابن إسحاق بسند حسن عن محمد بن كعب القرطبي مرسلا ووصله عبد بن حميد وأبو يعلى والبغوي من طريق آخر من حديث جابر كما في تفسير ابن كثير وسنده حسن]، وكان بإمكانه وفق ما آتاه الله من مؤهلات أن يسود قومه ويغير من فوق ومن موقع قوة، ولكنه اختار طريقا آخر.

 

ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أحكم وأعلن الرضى قولا وعملا ثم أغيّر، فهذا خداع يرفضه دين الله فوق كونه كفرا، لكن القوم لا يفهمون هذا لأنهم يريدون أن يخدموا الإسلام قبل أن يعرفوا معناه ويدينوا به.

 

وليس للنواب اليوم والوزراء والولاة المعيّنين من طرف مسؤوليهم أو المنتخبين من طرف الشعب أن يخرجوا عن قانون الدولة إلى قانون الله، كما وقع من يوسف مع أهل مصر أو النجاشي ملك الحبشة، وليس بإمكانهم أن يتهموهما بأنهما حكما بشرع الطاغوت وهما يعلمان بشرع الله.

 

ولا يمكن لأحد اليوم أن يصل إلى مثل تلك المراتب دون اعتراف بمبادئ الطاغوت التي يعلمون أنها تخالف دين الله، فحكام اليوم مجرد موظفين مهما علت مناصبهم، حتى منصب الملك أو الرئاسة، فهم يتصرفون في إطار الدساتير والنظم التي تقوم عليها الدولة، لأن الدولة في هذا العصر قائمة على المؤسسات لا كالممالك القديمة.

 

وليس لهم اليوم سلطة تغيير النظام بقرار شخصي، كما فعل ملك البحرين لما أسلم، لأن نظام الحكم اليوم نظام مؤسسات، ولا يقدر الرئيس على تغيير نظام الحكم، فليست له صلاحيات مطلقة تخوّل له ذلك.

 

إلا إذا أراد الإسلام لنفسه، وحينها فما عليه إلا أن يتنحى إن رأى أن قومه لا يجيبونه إلى الإسلام، لأن الإسلام ليس اعتقادا في القلب فحسب، وليس عقائد وصلوات فحسب، وإنما هو كفر بالطاغوت –أولا– اعتقادا وقولا وعملا.

 

وهذا يغفل عنه بعض من ينتسب إلى الدعوة، بدعوتهم حكام الأمم الأخرى إلى الدخول في الإسلام، حيث يفهمون الإسلام كعقيدة في القلب وفي إطار المبادئ العلمانية، الأمر الذي يختلف تماما عن دعوة النبي –صلى الله عليه وسلم- ملوك الفرس والروم والقبط إلى الإسلام.

 

إن أفعال الأنبياء التي تشابه على الناس أمرها يجب أن تفسر حسب عقيدة التوحيد، لأن كتاب الله لا يُضرب بعضه ببعض، وقد نزلت على قوم قد حققوا التوحيد، فلم تستشكل عليهم أمثال هذه النصوص، أما الذين لا يفرقون بين التوحيد والعلمانية، فيهدمون دين الله بعضه ببعض، لأنهم لا ينطلقون من التوحيد، وإنما ينطلقون من الدين الواقع الذي لا قواعد له.

 

إنه إذا وقع الكفر لا ينفع التسمي بالمسلم، ولا القول بأن دين الدولة الإسلام، كما أن الديمقراطيين -مثلا- لا يقبلون أن تتسمى دولة باسم الديمقراطية دون أن تطبق مبادئها، ودولهم –كما هو ظاهر للعيان– علمانية، ومع ذلك ينفون عنها تلك الصبغة، فيقولون أن دين دولتهم الإسلام، حتى يلقموا حجرا لمن ينكر عليهم فيسكت ويرضى، وهكذا لعبوا بهم.

 

فكم وقع من خصام من أجل كتابة تلك العبارة فقط في دستور غير قائم على مبادئ الإسلام وشرائعه، ولا يفتتن المسلمون حول هذا أبدا، لأن مقتضى كونهم مسلمين أن تكون دولتهم مسلمة، فلا يؤمنون بالله كأفراد ويكفرون به كجماعة.

 

إنهم لا يقبلون أن يتناقض أي قانون فرعي مع الدستور، ففي كل الدول يتطلب الأمر أن تكون القوانين دستورية، أي تتحرك في إطار الدستور لا الإسلام، ولكن يقبلون أن يتناقض الدستور مع نفسه، فمرة يقرر بأن دينه الإسلام، وفي ثناياه يخالفه ويناقضه.

 

ولكن هذا التناقض يختفي بمجرد أن نعرف أن تفسيرهم للإسلام علماني، أي باعتباره أمورا شخصية خاصة بالفرد، ولهذا قالوا أن العلمانية لا تضاد الإسلام، فالأمر بعيد كل البعد عما يظنه الذين يريدون أن يجمعوا بين حكم الله وحكم الطاغوت.

 

قال أحمد حماني في "الفتاوى" (203): (أن الدستور ينص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة، فما خالف الإسلام من الأحكام والنصوص القطعية فهو مخالف للدستور، وما خالف الدستور من نصوص وأحكام وقوانين فهو باطل).

 

لكن المشرعين الذين وضعوا هذه المادة لم يقصدوا من الإسلام إلا وعظه وأخلاقه وعقائده الغيبية وشعائره، وهذا خداع ظاهر، إذ أن ما يخص الدولة هو الأحكام التنظيمية، لا الشعائر والعقائد التي تؤدى دون وجود الدولة، ولذلك فلا يتغير نظام هذه الدولة لو قلنا أن دينها هو النصرانية.

 

إن هؤلاء الدعاة إلى الحكم بشرع الله يصطدمون بمبادئ الوطنية العلمانية، التي يقيمون عليها مجتمعاتهم حيث الكافر ومن يسمونه بالمسلم سواء أمام القانون في الحقوق والواجبات، كما يعنيه مفهوم المواطنة، الأمر الذي يخالف قواعد الإسلام، وهذا يؤدي بهم إلى تحريف الدين ليلائم الواقع، ولذالك قالوا دون حياء: ينبغي البحث عن إسلام واقعي.

 

إن كل مذهب يشرّع للحياة ينبغي أن يتخذ لأتباعه كيانا ينضوون تحته، وأرضا يطبقونه فيها وينطلقون منها، ولا يطبق تحت ظل نظام آخر، وعندما كان للمسلمين كيان ينضوون تحته ويعطونه ولاءهم، لم تكن لتحدث بينهم قضية كالدخول في الدولة الكافرة أو الأمم المتحدة ونحو ذلك، ولما أرادوا فهم الإسلام في إطار الوطنية والشرعية الدولية وقعت هذه المسائل.

 

يحتج العلمانيون على دعاة الشريعة بأنكم أفسدتم البلاد ونشرتم الفوضى والنزاع، فيتراجع هؤلاء مقتنعين بأن مصلحة الوطن أولى من دعوتهم، وإنما يتبعون من دين الله ما يحفظ لهم وطنهم وأمنهم ووحدتهم.

 

فبإمكان الدولة كلما شعرت بالخطر أن تثير أي معركة وطنية لتحوّل أنظار الناس إليها، بما فيهم هؤلاء الدعاة، لينصرفوا عن دعوتهم إلى الدفاع عن الكيان الذي يظلهم ويرفض دعوتهم.

 

لقد نادى هؤلاء لإقامة الشريعة الإسلامية، وقال آخرون أنها لا تلائم العصر، وكلما ذكّروا بشرع الله قالوا: بيننا وبينكم المعاهدات القانونية الدولية، فذهب الأولون يثبتون حكمتها وعدالتها، والكل ينتمي إلى أمة واحدة، يحاولون إقناع من رفضوا الإحتكام لدين الله بصلاحيته.

 

ونحن لا نقصد من البيان بأن اتباع شرع الطاغوت كفر بالله أن يعودوا إلى شرع الله ويحكّموه في حياتهم فقط، ولكن أن يعتقدوا بذلك أوّلا، ويبنوا عليه إسلامهم ابتداء.

 

إنه لا حاجة لنا للرد عليهم إلا لإقناعهم بالدين كله من منطلق أنهم غير مسلمين، فالقضية أكبر من تعديلات في شرائعهم، وإنما هي قضية إسلام أو كفر، إيمان بشرع الله وكفر بشرع الطاغوت، تماما كما هي عند المشركين من الأمم الأخرى.

 

ولا حرج في أن لا يقتنعوا بها، فنحن نقيمها بيننا دونهم، فليسوا هم محل إقامة شرع الله، بل ذلك يخص الأمة المسلمة، فنحن مستقلون بديننا عنهم، ومنفصلون عنهم، ولذلك لا ترد مسألة معرفة النظام الإسلامي قبل أن يمكّن له، ويوجد المجتمع الذي يحتضنه، لولا هؤلاء الذين يريدون تطبيقه بين قوم زهدوا فيه، أولا يؤمنون بوجوب الإرتباط به، أو يستبعدونه، أو يعلنون ولاءهم لغيره، فهؤلاء يريدون أن يطبقوه كبديل في إطار الديمقراطية لا بديلا عنها، بينما لم يشترط أحد معرفة شرائعهم التفصيلية مسبقا لتبني العلمانية، وليست مكلفة بذلك، فلماذا يشترطون هذا مع شرع الله؟!

 

إن الشريعة الإسلامية لم تجد الوعاء الذي يحتويها، وإنما يراد منها بطريقة خبيثة -مقصودة أو غير مقصودة- أن تكون وسيلة لملء الفراغ في ظل العلمانية وتجاوز التوحيد، فهي لا تتفق مع الوضع القائم الذي صنعته العلمانية في هذه الأمة، ولا يمكن تطبيقها فيها إلا بتحريفات كثيرة، كذلك قوانينهم التفصيلية لا تنسجم مع مجتمع يتبني مبادئ الإسلام وأخلاقه، فكل قانون ينبت من مبادئ تحتضنه، ويعتقد بها المجتمع الذي يطبق ذلك القانون في إطار تلك المبادئ.

 

فشريعة الله في الإقتصاد لا تتحقق دون عقائد الإسلام وأخلاقه، والمجتمع الذي يقوم على مبدأ الحرية الشخصية لا يمكن إقامة حد الخمر والفاحشة فيه، والمجتمع الذي لا يقيم الأسرة على مبدأ قوامة الرجل على المرأة، ويقيم العلاقة بينهما على التساوي في الحقوق والواجبات  لا التكامل بينهما، لا يمكن قسمة الميراث بين الأولاد فيه وفق قاعدة [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ] [النساء: 11]، وإلا كان ظلما للمرأة، إلى غير ذلك.