قال الله تعالى :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
لقد جعلوا للوطن طقوسا وأعيادا معظمة ورايات مقدسة، يجتمع تحتها الشيوعي والعلماني واليهودي والنصراني ومن يتسمى بالمسلم إخوانا متحابين، لمجرد أنهم في بقعة واحدة.
وهي أخوة في الوطن ومساواة فيه، تمحو أخوة الإسلام وتنسفها، وهي مروق ظاهر من الدين وتحلل منه، إذ قالوا أن الدين لله والوطن للجميع، فاعتبروه محورًا للتمييز بين الناس عوض الإسلام أو الكفر، حيث توضع القوانيـن والمبادئ على هذا الأساس.
...
وكما قال منظّرو العلمانية أن شرائعهم ليس لها صبغة دينية، لظنهم أن الدين هو ما يتعلق بالشعائر والعقائد الغيبية، وذلك هو مدلول كلمة "المتدين" عندهم، كذلك قال هؤلاء العلماء في تهوينهم من كفر أتباع الطاغوت أنهم لم يقولوا أن شرائعهم دين أو أنها من عند الله، وأن الناس لا تعتقد بقداسة الحكام، ولذلك لا يدخلون في معنى قول الله –تعالى–: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ] [الشورى:21].
رغم أن الله –تعالى– قرر باْن شرائع المجتمع دين مثلها مثل الشرائع الأخرى، فقال عن قانون الملك: [مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ] [يوسف: 76]، وقال عن وجوب تطبيق العقوبات الشرعية: [وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ] [النور: 2].
ويحق لنا أن نتساءل إن كان يؤمن هؤلاء بأن هذه النظم من ديمقراطية واشتراكية وغيرها أديان أم لا؟ فإن لم يؤمنوا بذلك فهم علمانيون لا يكفرون بأديان الكفار ويعتبرونها مباحات أو كفرا أصغر أو معاص لا تنفي الإسلام، وبالتالي يحلون الدخول في دينين مختلفين، واِن أمنوا بأنها أديان فإنه يجب عليهم الكفر بها وتكفير متبعها، كما يكفرون بالنصرانية ويكفِّرون أتباعها، فإن لم يستجيبوا فسواء عليهم أصلوا وحجوا بيت الله الحرام أو عبدوا الصلبان وشربوا الخمور، وسواء عليهم ألبست نساؤهم لباس المسلمات أو لباس الجاهليات.
...
... فقد دعي رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى ما دُعوا إليه فأبى وأجابوا، ولم تعط لهم الصلاحيات المطلقة التي أعطيت له، حتى قالوا له: (إن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا) [قال الألباني: أخرجه ابن إسحاق بسند حسن عن محمد بن كعب القرطبي مرسلا ووصله عبد بن حميد وأبو يعلى والبغوي من طريق آخر من حديث جابر كما في تفسير ابن كثير وسنده حسن]، وكان بإمكانه وفق ما آتاه الله من مؤهلات أن يسود قومه ويغير من فوق ومن موقع قوة، ولكنه اختار طريقا آخر.
ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أحكم وأعلن الرضى قولا وعملا ثم أغيّر، فهذا خداع يرفضه دين الله فوق كونه كفرا، لكن القوم لا يفهمون هذا لأنهم يريدون أن يخدموا الإسلام قبل أن يعرفوا معناه ويدينوا به.
ولكي تكون مسلما وسطيا غير متطرف عليك أن تكون ديمقراطيا أكثر من الديمقراطيين، وتخضع للدولة العلمانية، ولا تسيء إلى الأديان ولا إلى أهلها بتكفير أو تضليل، ولا تنشر الكراهية والتعصب على أساس الدين ولا تشتم مبادئهم ولا تسفّه أحلامهم.
لأن الإسلام عندهم هو الأخوة والرحمة والمحبة فقط، كما هي النصرانية عند أهلها اليوم، والتي تلتقي مع الماسونية في أصلها.
ولذلك راحوا يُنقبون في القرآن والسنة ويستلّون نصوصا مختارة بعناية تحث على هذه الأخوة الوهمية، وينشغلون بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وهم معرضون عن حكمه، (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا).
إن الدعوة إلى الله لا تعيش في إطار الشرعية الدستورية التي يؤمن بها خصومها، لكنها تجعل ذلك الشرع والدستور عدوها الأول إذ هو من معالم الجاهلية، فتبطله بالحجة والبرهان، فدعوة التوحيد إذن تعمل خارج الدستور والقانون والشرعية القانونية الجاهلية، ولا تعمل في إطار حرية الإعتقاد بالمفهوم العلماني بل هي ضدها، ولا تدعو إليها بل تناهضها، ولا تنتظر منها أن تمنحها الشرعية والإعتماد لتتحرك.
...
إن هؤلاء الذين يتهربون من القضايا السياسية منهزمون أمام مد العلمانية، ويضعون الإسلام في موضع المنهزم أمامها، فهي التي تضبط دعوتهم، وتحدد لهم مجال تحركهم، ويقولون: يا ليتها تترك لنا هذه المساحة على الأقل، ويسيرون وفق قاعدة: ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، وقاعدة: اتباع أخف الضررين، التي لا محل لها في موضوع الإيمان والكفر، على أن التحرك في إطار ما تسمح به الجاهلية أفضل من أن نُمنع ونقع تحت طائلة القانون، وهذا الذي يوقعهم في الكفر.
جاء في جريدة "العربي" (العدد: 13) ما يلي: (هدد الداعية الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي برفع دعوى قضائية في حالة قيام فرنسا بمنع الحجاب في المدارس والجهات الحكومية، مؤكدا أن إجراء من هذا النوع يمكن أن يغذي التطرف، وقال القرضاوي أنه لو وضع هذا القانون فسنطالب برفع دعوى قضائية لأنه يتنافى مع الدستور الفرنسي).
هكذا يفسر هؤلاء لأمتهم دين الله، أو هكذا يفسرون الدين الذي تعودت عليه على أنه دين الله الذي نزل به الكتاب، وانظر كيف يروّضونها على الكفر جهلا أو تعمدا.
يعلّمون الناس أن دين الله حريص على لباس المرأة الشرعي أكثر من حرصه على توحيد الإحتكام إليه دون غيره، يحفظون الفرع ويهدمون الأصل، فترتدي المرأة الحجاب لتغدو إلى القضاء الفرنسي فتكون محامية أو قاضية أو مشرعة خلاف شرع الله في البرلمان أو غيره! فهل يغني اللباس المشروع مع الإحتكام إلى الطاغوت؟
وهل كان هذا هو تصرف الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إذا اعترض سبيلهم الكفار، أم هو الثبات على دين الله والصبر على مضض الألم؟ يقول الله –عز وجل-: [الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ] [المائدة: 3].
إنهم يدّعون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رمزا أخلاقيا لا سياسيا، كما كذبوا على عيسى عليه الصلاة والسلام، وجرّدوا دينه من الشرائع.
وكل مسلم يعلم أنه يجب عليه التأسي بنبيه في كل مجال، [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب: 21]، وأنّ الله أمرنا بصلة الرحم والإحسان والرحمة، كما أمرنا ببغض أعدائه والبراءة منهم ومن دينهم وجهادهم، وأن الجهاد والهجرة باقيان إلى قيام الساعة.
قال الله -تبارك وتعالى-: [مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: 29]، وقال -عزّ وجلّ- أيضا: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] [الممتحنة: 4].
وتمضي الآيات مبينة وجوب الإقتداء بالنبي وإخوانه من الأنبياء، ومفصلة شرائع الله الأسرية وشرائعه السياسية في الولاء والبراء بين الناس وبين الجماعات، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، فهي لا تخفى على مسلم، أما هؤلاء المشركون بالله في حكمه فلا يهوون إلا التشغيب، ولا يطالبون بأدلة.
...
في الجاهلية تتقلص مساحة تعريف الشر وتضطرب، فتكبر مساحة الشر، حتى يصير الشرير قدوة بدلا من أن يكون عبرة، فيختلف الناس في دركات الشر عوض أن يتنافسوا في درجات الخير، ويُختزل الإنسان في كتلة من اللحم، وتقدر قيمته بحسب ما في جيبه، إنها حياة العبث.
ستموت الديمقراطية كما ماتت الإشتراكية والشيوعية، وستذهب الوطنية وأمها العلمانية كما ذهبت القومية، وسنتكلم عنها يوما ما بصيغة الماضي، لكن منظّريها ومشرّعيها -سواء من يقتنع بها ومن يتاجر بها- يصوّرون مبادئهم المنهارة على أنها أحسن ما اتبع البشر، وأنها مبادئ أزلية، وتلك عادة كل جاهلية.
يظنون اليوم أن الديمقراطية أسمى ما يمكن تحقيقه من العدل والحرية، وأنا كمسلم أؤمن بأنه لا حرية بمعناها الصحيح إلا في إطار دين الله، ولا عدل بمعناه الصحيح ولا أخوة ولا رحمة ولا سلام إلا في دين الله.
إن البشرية لم تعرف العدل في غير شرع ربها، والديمقراطية لا تستطيع أن تقدم للعالم أفضل مما قدمت، والصورة المظلمة ماثلة للعيان، حتى قال قائل من دعاة العدالة قولته الشهيرة: (لا تحلموا أبداً بعالم سعيد، فكلما مات قيصر قديم قام قيصر جديد)، ولكن أكثر الناس لا يرون، لأنهم -بكل بساطة- لا يريدون أن يروا شيئا.
...
...
إن العقيدة التي تُخضع الإسلام لمعيار الزمان أو المكان هي كفر ابتداء، وتؤدي حتما إلى محو كل آثار الدين، فإن الذي يقول أن الزمان قد تبدل سيأتي أبناؤه ويزيدون عليهم، ويأتي أحفاده ويزيدون عليهم، لأنهم تحت حراسة العلمانية، ومنها يستمدون طبائعهم، لقد وُضعت عجلة المجتمع منذ البداية على سكة العلمانية وهي سائرة في طريقها.
إن العلمانية نظام بديل عن الإسلام ومشروع مجتمع منافس له، أي هي دين آخر، نجد هذا واضحا في أذهان أهلها، أما الكثير ممن يحاربون هذا المشروع فهم غافلون، يظنون أن الأمر مجرد معاص في إطار الإسلام، ستزول شيئا فشيئا بنشر الأخلاق الإسلامية، رغم أن الكفر لا يزول بنشر أحكام الإسلام الجزئية، وإنما بالدعوة لأصل الإسلام، ومنه إنكار مبادئ العلمانية.
...
Powered by: Islamec magazine